الغزالي
137
إحياء علوم الدين
وإلى ميل الطبع إلى زوال النعمة عن أخيه ، حتى ينزل هو إلى مساواته ، إذ لم يقدر هو أن يرتقى إلى مساواته بإدراك النعمة ، وذلك لا رخصة فيه أصلا ، بل هو حرام ، سواء كان في مقاصد الدين ، أو مقاصد الدنيا ، ولكن يعفى عنه في ذلك ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له . فهذه حقيقة الحسد وأحكامه ، وأما مراتبه فأربع الأولى : أن يحب زوال النعمة عنه : وإن كان ذلك لا ينتقل إليه . وهذا غاية الخبث الثانية : أن يحب زوال النعمة إليه ، لرغبته في تلك النعمة ، مثل رغبته في دار حسنة ، أو امرأة جميلة ، أو ولاية نافذة ، أو سعة نالها غيره ، وهو يحب أن تكون له ، ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها عنه ، ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها الثالثة : أن يشتهي عينها لنفسه ، بل يشتهي مثلها . فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما الرابعة . أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم تحصل فلا يحب زوالها عنه . وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا . والمندوب إليه إن كان في الدين . والثالثة فيها مذموم وغير مذموم . والثانية أخف من الثالثة والأولى مذموم محض . وتسمية الرتبة الثانية حسدا فيه تجوز وتوسع ، ولكنه مذموم لقوله تعالى * ( ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ الله به بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ) * « 1 » فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم ، وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم بيان أسباب الحسد والمنافسة أما المنافسة ، فسببها حب ما فيه المنافسة . فإن كان ذلك أمرا دينيا ، فسببه حب الله تعالى وحب طاعته . وإن كان دنيويا ، فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها . وإنما نظرنا الآن في الحسد المذموم ، ومداخله كثيرة جدا ولكن يحصر جملتها سبعة أبواب ، العداوة ، والتعزز ، والكبر ، والتعجب ، والخوف من فوت المقاصد المحبوبة ، وحب الرئاسة ، وخبث النفس وبخلها . فإنه إنما يكره النعمة على غيره ، إما لأنه عدوه فلا يريد له الخير
--> « 1 » النساء : 32